America AI Trade War Expands To Humanoid Robots
في خطوة لافتة، تحولت واشنطن تركيزها من رقائق الكمبيوتر إلى الروبوتات المتقدمة، إذ أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 28 يوليو/تموز عن حظر دخول روبوتات متطورة ومحولات طاقة متصلة بالشبكة، مصنوعة في الخارج، إلى السوق الأمريكية. ووضعت لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) هذه المعدات على "القائمة المغطاة" (Covered List)، وهي أداة تنظيمية مخصصة للتقنيات التي يُرى أنها تشكل خطرًا غير مقبول على الأمن القومي. وتستهدف القواعد الجديدة بشكل أساسي الشركات المصنعة في الصين، وتشمل نماذج جديدة من الروبوتات البشرية، والروبوتات ذات الأربع أرجل، وغيرها من الآلات المتصلة التي تجمع بين أجهزة الاستشعار والبرمجيات والاتصال اللاسلكي. وبينما يمكن للمنتجات التي حصلت على ترخيص مسبق أن تظل معروضة للبيع، فإن اللجنة تحتفظ بسلطة إعادة النظر في تلك الموافقات، ومن المتوقع أن تواجه الأجهزة الجديدة المشمولة صعوبات كبيرة في الحصول على التصريح اللازم لبيعها تجاريًا في الولايات المتحدة. يأتي هذا التحرك في وقت يركز فيه النقاش العام حول السياسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بشكل كبير على أشباه الموصلات ومراكز البيانات ونماذج اللغة الكبيرة، لكنه الآن يتوسع ليشمل العالم المادي. وتُظهر هذه التطورات التنافس المتزايد بين الولايات المتحدة والصين في مجال التقنيات المتطورة، حيث سبقت بكين بإقامة أول نصف ماراثون في العالم للروبوتات البشرية في 19 أبريل/نيسان 2025، شارك فيه العشرات من الروبوتات إلى جانب آلاف البشر في شوارع العاصمة الصينية، في مشهد يعكس طموح الصين لقيادة السباق العالمي في هذا المجال. توسع الولايات المتحدة نطاق مراجعاتها الأمنية ليشمل الروبوتات المتصلة، في خطوة تعكس تنامي القلق بشأن الأثر المادي لهذه الأنظمة مقارنة بالبرمجيات الخالصة. فبينما تزود التقنيات الرقمية الآلات بعقل حاسوبي، تمنحها الروبوتات القدرة على التفاعل مع العالم المادي عبر أيدٍ وأرجل وكاميرات وإمكانية الوصول إلى المباني. إلى جانب توفير عمالة آلية مستقلة لمختلف المهام، تستطيع الآلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي جمع بيانات مكانية داخل المصانع، ورسم خرائط للمعدات، ومراقبة العمال، والتعامل مع الأدوات، وإرسال المعلومات إلى خوادم بعيدة. ويمكن لهذه الروبوتات أداء مهام خطرة أو قذرة أو رتيبة كان يتولاها البشر في أنفاق أو مستودعات أو منشآت عسكرية أو بنية تحتية متضررة يصعب الوصول إليها. هذا الواقع يجعل الروبوتات المتصلة حالة أمنية مختلفة تمامًا عن روبوتات الدردشة، فبينما قد تثير نموذج لغوي أجنبي مخاوف تتعلق بالخصوصية والاعتدال والسرية، فإن الروبوتات الشبكية تتمتع بتأثير أكبر على الحيز المادي الذي نعيش ونعمل فيه، إذ يمكنها مراقبة مكان العمل، والتحكم في الآلات، والتحرك عبر مناطق مقيدة. وقد استشهد مسؤولو لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية بمخاوف تشمل المراقبة، وسرقة البيانات، والتدخل عن بعد، والهجمات الإلكترونية. ويعكس هذا القلق مخاوف أوسع لدى صناع السياسات في الولايات المتحدة بشأن المركبات المتصلة، والطائرات بدون طيار، ومعدات الاتصالات، والرافعات الصينية في الموانئ. ومع انضمام الروبوتات إلى هذه القائمة المتزايدة من المنتجات التي لا يمكن فصل وظائفها التجارية عن أنظمة البيانات والاتصالات، تواجه أيضًا العاكسات الكهربائية المتصلة، التي تحول الكهرباء المولدة من الألواح الشمسية والبطاريات إلى تيار قابل للاستخدام، قيودًا مماثلة. في تحول يعكس توسع تعريف البنية التحتية للذكاء الاصطناعي من مجرد مراكز البيانات والرقاقات الإلكترونية إلى مجالات الطاقة والتحكم الصناعي والروبوتات، يتجه الكونغرس الأمريكي إلى فرض رقابة فيدرالية على الروبوتات القادمة من الصين والدول المنافسة. وتشير التطورات التشريعية الأخيرة إلى أن واشنطن لم تعد تنظر إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على أنها تقتصر على الخوادم والشبكات فحسب، بل أصبحت تشمل أيضًا القدرات المادية التي يمكن لهذه الأنظمة تحريكها. ففي يونيو الماضي، قدمت مجموعة من المشرعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي قانونًا يحمل اسم "قانون حماية الولايات المتحدة من هيمنة الروبوتات العدائية" (GUARD Act)، والذي يلزم الحكومة الفيدرالية بفحص الروبوتات المصنعة في الصين ودول أخرى تعتبرها واشنطن خصومًا، كما يحظر استيراد أي روبوت يُشكل تهديدًا للأمن القومي. وبعد ذلك، أقر مجلس النواب الأمريكي بندًا ضمن مشروع قانون تفويض الدفاع يطلب من وزارة الدفاع (البنتاغون) بدء مراجعة من هذا القبيل. وتأتي هذه القيود في وقت تتسع فيه رؤية واشنطن لما يشكل بنية تحتية للذكاء الاصطناعي. فقبل بضع سنوات، كان المصطلح يُشير بشكل رئيسي إلى مراكز البيانات ومعالجات الرسوميات والشبكات عالية السرعة، لكنه الآن يمتد ليشمل توليد الطاقة، وأنظمة التحكم الصناعي، والبطاريات، والمحركات، وأجهزة الاستشعار، والآلات القادرة على تنفيذ تعليمات نماذج الذكاء الاصطناعي. ويعكس هذا التحول الأوسع في مجال الذكاء الاصطناعي من الأنظمة الرقمية البحتة إلى الذكاء الاصطناعي المادي، حيث تتسابق شركات نماذج الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية لبناء نماذج قادرة على فهم الصور والصوت والحركة، بينما يعمل مصنعو الروبوتات على دمج هذه الأنظمة في آلات مصممة للمستودعات والمصانع والمستشفيات والمنازل. ويُعرف هذا النهج باسم "الذكاء الاصطناعي المجسد" أو "الذكاء الاصطناعي المادي"، وهو مصطلح يصف أنظمة تتعلم من العالم الحقيقي وتعمل داخله. وتدريب روبوت على التعامل مع آلاف المهام غير المتوقعة يتطلب أكثر بكثير من مجرد هيكل ميكانيكي ذكي، بل يحتاج إلى بيانات من الكاميرات وأجهزة استشعار القوة، وأدوات المحاكاة، وبرامج التحكم، والقدرة الحاسوبية، والتشغيل المتكرر في بيئات حقيقية. تقديرات جديدة تكشف النقاب عن صدارة صينية واضحة في قطاع الروبوتات الصناعية. فوفقًا للاتحاد الدولي للروبوتات، تشغّل الصين نحو مليوني روبوت صناعي، وهو ما يعادل نحو 4.5 أضعاف إجمالي الروبوتات الموجودة في اليابان، ثاني أكبر سوق عالميًا. وخلال عام 2024، استحوذت الصين على 54% من إجمالي تركيبات الروبوتات الصناعية في العالم، بعد أن ركّبت مصانعها 295 ألف وحدة جديدة، أي ما يقارب عشرة أضعاف العدد المُقدَّر في الولايات المتحدة. غير أن الأهمية التنافسية لهذا التفوق تتجاوز الأرقام الحالية. فكل روبوت يعمل في الميدان يتحول إلى عقدة لجمع البيانات، والأسطول الضخم من الروبوتات يمكن أن ينتج سجلات هائلة حول سلوك العمال والأدوات والبيئات الصناعية. وهذه الحلقة قد تصبح واحدة من أقوى المزايا التنافسية في هذا القطاع: فالشركة التي تنشر أكبر عدد من الروبوتات ستتمكن من جمع بيانات تشغيلية أكثر ثراءً، والبيانات الأفضل تقود إلى نماذج أفضل، والنماذج الأفضل تدعم آلات أكثر أمانًا وأقل تكلفة، وهذه الآلات بدورها تولّد مزيدًا من البيانات. إنها دورة مشابهة للميزة التي بنتها منصات الإنترنت الكبرى من النقرات وعمليات البحث والنشاط الاجتماعي، لكن المادة الخام هذه المرة تأتي من المستودعات والأرصفة وخطوط التجميع. وعلى المستوى المحلي، يزداد حضور المصنّعين الصينيين في السوق. ففي عام 2020، لم تتجاوز حصة الموردين المحليين من عمليات التركيب 30%، لكنها ارتفعت إلى 57% بحلول عام 2024، وفقًا للاتحاد الدولي للروبوتات. وتُظهر بكين عزمًا واضحًا على مواصلة هذه الوتيرة، إذ تتعامل خطتها الخمسية الأخيرة مع الروبوتات باعتبارها أولوية صناعية أساسية، وتوجّه أبحاث الذكاء الاصطناعي نحو آلات قادرة على العمل والتحرك واتخاذ القرارات في العالم المادي. لا تزال الروبوتات البشرية في مرحلة غير ناضجة اليوم، إذ تعتمد كثير من العروض العامة على بيئات خاضعة للسيطرة أو حركات مبرمجة أو مهام ضيقة النطاق. وتتفوق الروبوتات الصناعية التقليدية على النماذج البشرية في السرعة والدقة والموثوقية عند أداء الأعمال المتكررة في المصانع. بيد أن التقدم المستمر والتطبيقات الواقعية على المدى الطويل أهم من العروض الحالية. وتستطيع الشركات الصينية الاستفادة من شبكات كثيفة من موردي البطاريات ومصنعي المحركات ومنشآت الإلكترونيات وصانعي المكونات عالية الدقة. كما يمكنها اختبار تصميماتها في واحدة من أكبر أسواق التصنيع في العالم. وقد تتيح تكاليف الإنتاج المنخفضة وضع المزيد من الآلات في أماكن عمل حقيقية، حيث تولد هذه الآلات البيانات اللازمة للتحسين. وتعد يونيتري من أبرز شركات الروبوتات الصينية المعروفة، وتبيع روبوتات بشرية ورباعية الأرجل بأسعار جذبت المختبرات والمطورين والمشترين التجاريين في الخارج. وقد حذرت الشركة في ملف طرح عام أولي من أن تشديد القيود الأمريكية قد يضر بنموها في الخارج، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة مثلت ما يصل إلى 20٪ من مبيعاتها خلال الفترات المشمولة بالتقرير. وقد يمنح حظر النماذج الصينية الجديدة الشركات الأمريكية في قطاع الروبوتات مساحة للتنفس، إذ يمنع الآلات الأجنبية منخفضة التكلفة من تأمين حصة سوقية مبكرة قبل وصول المنافسين المحليين إلى الإنتاج الضخم. لكنه في المقابل قد يحرم هذه الشركات الأمريكية نفسها من منصات تطوير ميسورة التكلفة ومكونات صينية الصنع. الحماية لها ثمن تتساءل الأوساط عما إذا كانت القيود الواسعة القائمة على أساس الدولة ستجعل قطاع الروبوتات الأمريكي أقوى. فغالباً ما تعتمد الشركات الناشئة الأمريكية على سلاسل التوريد العالمية، إذ قد تأتي المحركات وعلب التروس والبطاريات وأجهزة الاستشعار والتجميعات الإلكترونية من الصين حتى عندما يكون البرنامج والآلة النهائية من صنع الولايات المتحدة. ومن شأن قطع الروبوتات الصينية الجاهزة أن يساعد المصنعين المحليين، لكن قطع المكونات الرئيسية بسرعة كبيرة قد يرفع تكاليفهم. في الوقت نفسه، تسعى الولايات المتحدة إلى بناء المزيد من مراكز البيانات ومزارع الطاقة الشمسية ومشاريع البطاريات لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء من حوسبة الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن تقييد استيراد واستخدام إلكترونيات الطاقة الصينية قد يؤدي إلى رفع الأسعار أو تأخير المشاريع عندما يفتقر الموردون البديلون إلى طاقة إنتاجية كافية. كما أن قيود الروبوتات قد تحرم المستخدمين الأمريكيين من الوصول إلى آلات غير مكلفة بينما تواصل الصين اختبارها في سوقها المحلية الضخمة. وحتى لو كانت هذه الحواجز الاستيرادية قد تقلل التعرض لاضطرابات بعيدة، فإنها قد تفرض تحديات وتكاليف جديدة على قطاع التكنولوجيا المحموم أصلاً. وقد حذرت الصين بالفعل من أنها قد تنتقم من إجراءات الروبوتات والعاكسات الكهربائية. واتهمت وزارة التجارة الصينية واشنطن بإساءة استخدام الأمن القومي وتمييزها ضد الشركات الصينية. ومن الممكن أن تؤدي دورة من القيود إلى تقسيم سوق الروبوتات إلى كتل تقنية متنافسة، حيث قد تبيع الشركات الأمريكية داخل الولايات المتحدة والأسواق المتحالفة معها. توسع صيني محتمل في الأسواق الناشئة يثير تساؤلات حول سياسات أمريكا التقنية في ظل القيود التي تفرضها لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية على قطاع الروبوتات وإلكترونيات الطاقة، من المتوقع أن تتجه الشركات الصينية إلى التوسع في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، مما قد يؤدي إلى نشوء معايير تقنية وأنظمة برمجيات وشبكات مكونات مستقلة. وتتعامل الولايات المتحدة حالياً مع الروبوتات وإلكترونيات الطاقة باعتبارها جزءاً من الحزمة الاستراتيجية نفسها التي تضم الرقائق المتقدمة، والتي تبدأ من الكهرباء والحوسبة وتمتد عبر النماذج وأجهزة الاستشعار والمحركات وشبكات الاتصالات، لتصل في نهايتها إلى آلة قادرة على إدراك محيطها والتصرف دون تحكم بشري مستمر. وتحتفظ أمريكا بقدرات كبيرة في أبحاث الذكاء الاصطناعي وتصميم أشباه الموصلات والبرمجيات ورأس المال الاستثماري، بينما تمتلك الصين ميزة واضحة في الحجم الصناعي وإنتاج المكونات ونشر المصانع. ويرى محللون أنه في غياب قدرات تصنيع محلية وعمالة ماهرة وموردي مكونات موثوقين وتبني تجاري قوي، فإن إقامة جدار حول السوق الأمريكية قد تحمي صناعة تظل صغيرة جداً على المنافسة في الخارج. وقد تمنح قيود لجنة الاتصالات الفيدرالية الشركات الأمريكية المصنعة للروبوتات مزيداً من الوقت، لكن الأيام وحدها كفيلة بإظهار ما إذا كان هذا سيساعد السوق الأمريكية على المنافسة محلياً وعالمياً أم سيعيقها.